وثيقتان هامتان في تاريخ عرباوة خاصة والمغرب عامة، أحببت أن أطلعك زائري الكريم عليهما

الأولى تتعلق ببيعة سكان المنطقة للسلطان الحسن الأول، والثانية نص الخطاب التاريخي الذي ألقاه المغفور له الملك المحرر محمد الخامس بعرباوة سنة 1958

 

نص وثيقة بيعة سكان القصر الكبير وقبائل الغرب ـ  منهم سكان عرباوة ـ  للسلطان الحسن الأول المنشورة بموقع وزارة الأوقاف والمحفوظ اصلها بالخزانة الملكية

بيعة القصر الكبير وقبائل الغرب :للسلطان مولاي الحسن الأول 

الوثيقة 364

 

الغرب في العرف المغربي هو المنطقة الغربية الخصبة الواقعة بين وادي لكوس شمالا ووادي سبو جنوبا مشتملة على قبائل الخلوط وطليق (1)وسفيان (2)وبني مالك (3)والمناصرة (4)، وكانت مدينة القصر الكبير هي قاعدة هذه المنطقة قبل أن تؤسس مدينة القنيطرة في بداية هذا القرن فتصبح مزاحمة لها خصوصا بعد تقسيم الاستعمار الفرنسي والاسباني المغرب على مناطق متمايزة، ذلك التقسيم الذي انمحى بفضل جهاد الشعب المغربي في سبيل حريته ووحدة ترابه.

وقد عثرنا على بيعة سكان هذه الناحية للسلطان مولاي الحسن الأول، وهي مكتوبة في نسختين أصليتين نصهما واحد وعليهما أشكال نفس الشهود وعلامة نفس القاضي وأسماء نفس المبايعين، ولا خلاف إلا في الخط وبعض الكلمات، ونعتقد في هذا الكتب المتعدد ما اعتقدناه في تعدد كتب بيعة مكناس، من أن إحدى النسختين أو النسخ الأصلية ترسل على عجل إلى السلطان ويحتفظ بنسخة أخرى حتى يقدمها المبايعون أنفسهم عند ما يستقبلهم السلطان المبايع عند ما يفد عليهم أو يفدون عليه.

وننشر فيما يلي نص البيعة بعد مقارنة إحدى نسختيْها بالأخرى.

البيعة مؤرخة في 29 رجب عام 1290هـ ونسختاها الأصليتان محفوظتان بمديرية الوثائق الملكية.

(364)

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله وحده (5)، وصلى الله على من لا نبي بعده، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله (6)أرسله واصطفاه، والشكر له على ما أولى وأسداه.

أما بعد، فإن الله تعالى خلق الإنسان والأمر والإبداع والإنشاء، وتصرف فيه بالإماتة(7) والإحياء، لمن شاء كيف شاء، وعمر الأرض بنوع البشر الذي فضله على كثير ممن خلق تفضيلا، وأودعه من أسرار الحكمة جملة وتفصيلا، وآتاهم الكتاب والحكم والنبوءة واستضاءوا بها فكانت لهم على ربوبيته دليلا، قال تعالى "أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوءة، فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده"، ورفع (8)بعضهم فوق بعض درجات فقيرا وغنيا، وطائعا وعاصيا، وأمرهم بإقامة الوازع بالعدل والشريعة آمرا وناهيا. "إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون، وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا، إن الله يعلم ما تفعلون".

وكان ممن وُرِّث هذا العهد من السلف الصالح، لأهل الرأي الناجح، ورفع لهذه الملة العلية منارا، وجعلهم الله خلفاء وأنصارا، وملوكا اطلعوا للحق أنوارا، وأظهروا للعدل ءاثارا، واستخلفهم كما استخلف الذين من قبلهم أعلاء للدين وإظهارا، وأبدلهم من بعد خوفهم أمنا ورحمة سماها مدرارا، الشرفاء الأمراء السادات الأعلام، أولي البأس والإقدام، والفضل الثابت الإحكام، ففضلهم وعدلهم أظهر من الصبح المبين ومئاثرهم قد طرزت بها بطون الدفاتر، ومكارمهم في الآفاق من المثل السائر، أعني من ابتهجت بصبحهم السعادة الفلكية، الأئمة أهل لواء الدولة العلوية، فآخر من وقفت عليه في وقتنا السلطان ذو المجد الشامخ، والشرف الباذخ، ناصر الملة والدين، وواسطة عقد الأئمة المعتدين، أبو عبد الله، سيدنا ومولانا محمد، بن مولانا المقدس، أمير الأنام، أبي زيد مولانا عبد الرحمن بن هشام، فمات رحمه الله وأسكنه فسيح جنته، فحارت القلوب، وسكرت العقول، فتذكرنا قول القائل رضي الله عنه "أيها الناس، من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت"، فارتجعنا وتلونا قوله تعالى "وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون"، فبادرت الرجال أولوا الحزم والصلاح، والحل والعقد والنجاح، حسبما بالتراجم في طرة يمنته مفصلا، واسم كل واحد وحلاه مرسوما رسما مسهلا، فاجتمع رأيهم الرشيد، ونظرهم السديد، أن بايعوا وقلدوا أمرهم نجله السعيد، الذي فاق أقرانه ضبطا وحزما، وعلما وحلما، وكفاية وشرفا ضخما، تعرف به وحاشاه أن يكون نكرة فيعرف، أو فظا فيستعطف، وكيف وهو من بيت الملك والفتوة، وطينه معجون بماء الوحي والنبوة، أعني بذلك أبا السعادة وأبا علي، سيدنا وملانا الحسن، بن أمير المؤمنين سيدنا محمد قدس الله روحه، وأسكنه من الفردوس أعلاه، وأوجبوا طاعته، لأن طاعته على أنفسهم كما أوجبها الله عليهم، لأن طاعته مقرونة بطاعة الله، والتزموا له الإجلال والتعظيم، فإن إجلاله من إجلال الله، ولما علموا من أن طاعة السلطان تؤلف شمل الدين، وتنظم أمر المسلمين، وهي عصمة من كل فتنة، ونجاة من كل شبهة، ومعاقل السلامة، ومنازل السعادة، وهي الطريقة المثلى، والعروة الوثقى، قوام الأمة، وقيام السنة، كهف لمن لجأ إليها، وحرز لمن دخل فيها، وذلك بعد أن عرفوا استجماعه لشروط الإمامة، من علم، وأصالة رأي ونسب وكفاية، وما يتبعها من صفاء سريرة، وخلوص عقيدة، ونزاهة نفس، ودراية لكتاب الله الذي هو الركن الأعظم، وللفقه الذي به انتظام الأفعال الدنيوية والأخروية، على أن يقيم دينهم ودنياهم، ويستضيء فيهم بنور كتاب الله عند حدوث المشكلات، وغوامض المعضلات، فإنه الفارق بين الحلال والحرام، والدال على مظنة الصواب في الأحكام، وأن يتمسك بسنة رسوله الأكرم، فإن كل من تمسك بها نجا، وكذلك يتمسك بإجماع الأمة المحمدية فإنها لا تجتمع على ضلالة، ويشاور أهل العصر من ذوي الحنكة والتجربة في الدواهي المعضلات، فإن مرآة العواقب بيد التجاريب، ويجالس العلماء والأتقياء، ويرد إليهم ما ينزل به من أحكام القضايا والفتيا، ويبعث البعوث، ويهز الجيوش، ويسد الثغور ويحميها، ويفرق الأرزاق، إلى غير ذلك مما جاءت به الرسل، وبلغته لنا عنهم الفحول، وينصب الأمناء من الكتاب والقواد والمشائخ والأعوان، ويراعي في كل ذلك ما فيه رضي الله، ويخلص النية في جميع أعماله لله، فإنه جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم "نية المؤمن خير من عمله".

وليعلم أن هذا الأمر ولاه الله إياه من غير سؤال ولا سبب، فهو المسدد له والمعين، وقال عليه الصلاة والسلام "يا عبد الرحمن، لا تسأل الإمارة فإنك إن سألتها وكلت إليها، وإن أعطيتها من غير سؤال أعنت عليها" وقال العلماء في حق هذا المنصب: إنه كالأسد لا يتشوف الضعيف إلى لقائه، ويهرب من أماكنه وأسباب الاجتماع معه غاية الهروب، فإذا سبق القضاء وابتلي بهجومه عليه مع بعده وتحرزه من رؤيته فليصبر حينئذ ولا يجزع، وليستعن عليه بحول الله وقوته، فإن المرجو من فضل الله تعالى أن يكفيه شر هذا الأمر وضرره دنيا وأخرى، ويبذل جهده في الصبر على امتثال ما أمر الله به.

سلك الله بنا وبه أفضل المسالك ويعيننا وإياه على ما فيه رضاه ويخلصنا من المهالك، ويجعلنا وإياه ممن رضي عنهم وتقبل عملهم بمنه وكرمه، ءامين.

شهد به على من رسم بالتراجم يمنته كافة، وهم أهل لعقد ذلك لكونهم عرفاء أبناء جنسهم ووقتهم، وإليهم الرجوع في جميع أمورهم، وهم بأتمه، وعرفهم من أشهدوه به. وفي تاسع وعشري رجب الفرد الحرام عام تسعين ومئتين وألف: محمد....العراقي الحسيني (شكل) وعبد ربه وتعالى: عبد السلام بن محمد الفلاق (شكل) وعبد ربه وتعالى: عبد السلام بن محمد الفلاق (شكل) وعبد الله سبحانه وتعالى: محمد بن أبي سلهام الزيزوني (شكل)، وعبد ربه تعالى (شكل).

الحمد لله وحده
أدى شهوده الأربعة واعلم بثبوته عبد ربه تعالى محمد بن محمد الفلاق (شكل).
الحمد لله وحده
اعلم بأعماله عبد ربه تعالى محمد ابن القرشي الحسني (شكل).
الحمد لله وحده
تراجم أسماء أهل البيعة

القائد الأنجد، الفارس الأسعد، السيد محمد بن عبد السلام الحارثي العودي السفياني، أخوه السيد علال، وعمهما السيد الحاج أحمد بن عودة.

القائد الطالب الأجل، الفارس الأنبل، السيد أبو بكر بن السيد محمد الحباسي، وعمه السيد عبد الرحمن بن الحاج.

والأمين الفقيه الأجل العالم العلامة الأفضل، الذكي الأنبل، سيدي الحاج محمد بن الحاج المسعودي.

والفقيه العالم الأمثل، الدراكة الأنبل، القاضي المبجل، السيد محمد بن القرشي، والفقيه العلامة، الذكي الفطن الفهامة، القاضي سيدي محمد بن محمد الفلاق، الفقيه الأستاذ السيد قاسم بن العياشي، الفقيه الأستاذ السيد المكي البوخصيبي، الفقيه السيد محمد بن علي، الفقيه سيدي محمد بن علي الزهيري، الفقيه السيد محمد بن بوسلهام الزيزوني، الفقيه السيد عبد السلام بن محمد الفلاق، الفقيه السيد قاسم ابن العالية المغيطني، الفقيه سيدي محمد بن الصغير، الفقيه السيد محمد السوسي، الفقيه القاضي السيد السوسي المنصوري، الفقيه سيدي محمد العابد بن العباس العراقي الحسيني، الفقيه الأستاذ السيد أحمد البوعزاوي، الأستاذ سيدي محمد بن عبد السلام الزياري.

أعيان قبيلة بني مالك

الطالب سيدي محمد بن جلول العبد الواحدي، السيد محمد بن مالك العماري، الشيخ بوسلهام ابن الهاشمي، الشيخ الجيلاني بن سعادة، الشيخ إدريس الضعيفي، الشيخ بوسلهام بن الشرقي، السيد أحمد بوحاجة، الشيخ أحمد بن محمد الشاوي، الشيخ المفضل الضويفي، الحاج علال العيساوي، السيد أحمد بن حسين العثماني، الحاج سعيد الخليفي، السيد محمد بن الحاج النسب، السيد محمد بن الطيب النسب، السيد محمد الحاج النسب، الشيخ الطاهر النسب، السيد محمد العرايشي، الحاج قاسم والحاج محمد بن سالم، السيد محمد بن محمد النسب، الطيب بن علي الحمادي، الحاج إدريس النسب، التهامي بن الشيخ الطيب النسب، الشيخ أحمد بن علي التفاوتي، الطالب السيد أحمد، علي بن المقدم، الشيخ قاسم البوحزيطي، الشيخ السيد محمد البخاري، الشيخ العيشساوي البعبوشي، قاسم ابن المعطي النسب، الحاج علي بن المكي النسب.

أعيان قبيلة سفيان

الشيخ أحمد بن المصطفى الحارثي، الحاج بو سلهام بن المصطفى النسب، الحاج أحمد بن قاسم، السيد محمد بن المكي، الجيلاني بن قاسم، السيد محمد بن المكي، الجيلاني بن قاسم، الشيخ علي بن الشيخ، الشيخ الطاهر ابن الحمير، السيد عبد الله بن الحاج، الشيخ الجيلاني بن الطاهر المغيطني، الشيخ العربي بن بوسلهام، الشيخ قاسم بن بوعزة النسب، الشيخ محمد بن البصري، السيد غريب ابن قاسم، الشيخ الرياحي بن علي بن بوزيان، الأستاذ سيدي محمد بن قاسم، السيد محمد زروال العنبسي، الحاج العربي بن عبد الحليم، الحاج عبد الله المعروفي، السيد محمد بن الشاهد الجلالي، الشيخ علي اليوسفي، محمد بن الحاج، السيد علي الدلاحي، السيد محمد بن الحاج الرياحي، السيد بوسلهام الهيلوفي، السيد علي الشقافي، الحاج بوسلهام العطوي، أحمد بن عبد القادر الزياني، السيد الهاشمي بن الخضر الزوايدي، السيد محمد بن الخضر النسب، الشيخ علي الفضلي، الشيخ الجيلاني المسلمي، الشيخ التهامي العروسي، الشيخ محمد بن العوفية الشيخ محمد بن قاسم الحياصي، الشيخ الطاهر الداودي، الشيخ محمد بن العربي المعتوقي، الحاج قاسم المعتوقي، السيد عبد السلام بن الراضي النسب، الشيخ إدريس المعتوقي، الشيخ عبد السلام المغيثي، المرابط السيد عبد الواحد المنصوري، السيد الجيلاني بن الغزالي النسب، السيد محمد بن عمرو النسب، المرابط سيدي محمد بن التهامي الرياحي، السيد محمد بن الزوايدية النسب، الشيخ عمرو النسب.

من حضر من غير القبيلتين من الخلط وطليق

الشيخ أحمد بن عبد الجليل الطليفي، أخوه السيد علي، ولد أخيه محمد بن الطيب، الحاج محمد بن علي بن سليمان، السيد محمد بن عمرو العفاني، الشيخ عمرو بن العفاني، الشيخ بوسلهام بن الهراسية، السيد علي المهشم، الحاج قاسم الجميلي، الحاج بوسلهام ابن الخياط.

ومن أهل القصر

الشريف البركة الفقيه العلامة سيدي محمد بن علي الشريف البقالي، لمحتسب ناظر جامع القصر السيد عبد السلام الطود، السيد بوشتا، السيد محمد بن فتح الله.
انتهت أسماء من حضر البيعة المذكورة على التمام
(9) 


 

الهوامش
(1) الخلوط وطليق قبيلتان عربيتان متدامجتان تقع بترابهما مدينة القصر الكبير ومدينة العرائش وقرية عرباوة.
(2) سفيان قبيلة عربية كبيرة تقع على الساحل الأطلسي جنوبي القبيلتين المتقدمتين، وتنقسم إلى ثلاث عمارات، سفيان الشمالية وسفيان الجنوبية، وسفيان الشرقية، وتحت كل عمارة بطون عديدة.
(3) بني مالك قبيلة عربية كبيرة تقع مواطنها شرقي قبيلة سفيان المتقدمة، وهي منقسمة إلى ثلاث عمارات كبيرة: بني مالك الغربيين، وبني مالك الشماليين، وبني مالك الجنوبيين، وتحت كل عمارة عدد من البطون، ومن أشهر قراها سوق أربعاء الغرب.
(4) المناصرة قبيلة عربية كبيرة تقع بين نهر سبو والمحيط الأطلسي، وفي جنوبها مباشرة تقع مدينة القنيطرة، لا يفصلها عنها إلا النهر.
(5) جملة الحمد هذه محذوفة من إحدى النسختين.
(6) كلمتا عبده ورسوله محذوفتان من إحدى النسختين.
(7) في إحدى النسختين بالممات.
(8) في إحدى النسختين وجعل.
(9) هذه الجملة زائدة في إحدى نسختي البيعة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الوثيقة الثانية

 

وثيقة أخرى لا تقل أهمية عن سابقتها، إنها النص الكامل للخطاب  الشهير للملك المحرر محمد الخامس طيب الله تراه بعرباوة، الخطاب الذي قال عنه المغفور له الملك الراحل الحسن الثاني رحمه الله ما يلي

(لقد أعلن جلالة المغفور له محمد الخامس قدس الله روحه فور عودته منتصرا من المنفى السحيق يوم 16 نونبر 1955 يحمل إلى الشعب المغربي الأبي بشرى الحرية والاستقلال، حرصه على إعادة بناء الكيان الوطني وفق قاعدة الاندماج بين مناطقه وأقاليمه وتحطيم الحدود الوهمية المصطنعة الموروثة عن العهد الاستعماري، فقبل أيام من زيارته لربوع ورزازات وزاكورة ألقى جلالة المغفور له محمد الخامس قدس الله روحه خطابا بعرباوة يوم 16 فبراير 1958 جاء فيه : ''... وإن مجيئنا الرمزي إلى هذا المكان ليؤذن بأنه لن يبقى بعده شمال وجنوب إلا في الاصطلاح الجغرافي العادي وسيكون هناك فقط المغرب الموحد(''.

مقتطف من خطاب الحسن الثاني  بمحاميد الغزلان يوم 11 أبريل 1981

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

خطاب عرباوة

نص الخطاب الملكي السامي الذي ألقاه المعفور له الملك الراحل محمد الخامس بعرباوة يوم الإثنين 17 فبراير 1956

 

الحمد لله

رعايانا الأوفياء

من هذه البقعة التي كانت فيما سلف حدا فاصلا بين شطري الوطن، نزف اليكم بشارة تملأ قلوبكم فرحا، وتهز أعطافكم مرحا، ونزجي إليكم نبأ حدث سعيد يدخل البهجة على كل بيت من بيوتكم، ويشيع المسرات بحواضركم وبواديكم، ففي فجر هذا اليوم استكمات مملكتنا وحدتها الاقتصادية والمالية بإزالة أحد فوارق النظام السابق الذي أكرهت عليه قرابة خمسين سنة.

فمند سنتين ، ونحن نصل السير بالسرى لبلوع الغاية الحميدة التي بلغناها اليوم.

وكلكم على علم أننا لم نكد نحقق للمغرب استقلاله، ونبوئه مكانته بين الأمم، حتى شرعنا في محو الفوارق الدخيلة التي صبغت الحياة القومية بصبغة أجنبية، وجعلتها مختلفة الإدارات والثقافات والعملات، فأنشأنا نظاما إداريا وآخر قضائيا ضمنا للبلاد وحدة إدارية وعدلية، وألحقنا سائر المصالح الشمالية بوزارات حكومتنا المركزية، ولم تبق إلا الشؤون الإقتصادية والمالية التي هي من اهم الشؤون، والتي تتوقف تصفيتها على حلول العملة الوطنية محا العملة الأجنبية التي جرى التعامل بها في الشمال مند سنين طويلة، وفي هذا الشأن أجرينا مع الدولة الإسبانية مفاوضات طويلة معقدة، أبدت فيها حكومتنا وخاصة وزارة الاقتصاد الوطني كل مهارة وأناة، وأسفرت في النهاية عن توقيع اتفاقين تقرر بأولهما سحب البسيطة، وحددت بثانيهما كيفية السحب، وقد دخلا حيز التنفيذ خلال الأسبوع الماضي، ولم تشرق شمس اليوم حتى كانت العملة الوطنية هي التي تروج وحدها في البلاد، وأصبح للشمال والجنوب مظهر اقتصادي ومالي واحد.

ولقد رئي أن يمر هذا الإدماج بمرحلة انتقالية نظرا لكثرة المشاكل المتعلقة بالرواتب والأجور والأسعار، ولكننا أبينا إلا أن يقع دفعة واحدة لما لنا من الرغبة الأكيدة في رؤية رعايانا يعيشون عيشة واحدة، كما أمرنا بتأخير صدور الميزانية إلى شهر مارس لنقر أعينهم بمشاهدة أولى الميزانيات الموحدة للمغرب المستقل تصدر في هذه السنة، ومن البديهي أن هذا العمل سيمكننا من القيام بإصلاحات اجتماعية واقتصادية واسعة النطاق في الأقاليم التي هي في حاجة ماسة إليها، كما انه سيسوي عموم الأقاليم المغربية في الحقوق والواجبات الاقتصادية والمالية، إلا اقليم طنجة الذي يتمتع بعهد ملكي، صنعناه بأيدينا، ووضعناه بمحض اختيارنا لمصلحة ذلك الثغر البهيج.

أما المشاكل المترتبة عن هذا الإدماج، فقد أمرنا باتخاذ التدابير لحل المعجل منها فورا، ومعالجة ما ليس معجلا بالتدريج، كما أمرنا حكومتنا أن تعمل في الحال لتسوية أجور العملة، بحيث يصبح الأقل الحيوي المطبق في الجنوب مطبقا في الشمال. ولتسوية رواتب الموظفين، مع تقديم دفعات زائدة على أجورهم يواجهون بها الحالة المؤقتة ريتما تدرس اطاراتهم دراسة دقيقة، كما أوصينا بتزويد الأقاليم الشمالية بما تحتاج إليه من مواد غذائية وتنشيط تجارتها الداخلية مع الأقاليم الجنوبية، أما التجارة الخارجية فستكون خاضعة لشروط وقوانين واحدة.

وعلى الجملة، فمن هذا اليوم ستزاح جميع الحواجز، وتصطبغ الحياة في البلاد بصبغة قومية متشابهة، وأن مجيئنا الرمزي إلى هذا المكان ليوذن بأنه لن يبقى بعد شمال ولا جنوب إلا في الاصطلاح الجغرافي العادي، وسيكون هناك فقط المغرب المستقل الموحد.

رعايانا الأوفياء

إنه حقا لحدث سعيد، ونجاح جديد أحرزناه في فجر هذه السنة، وإنها لعناية ربانية تحف بنا في الحركة والسكون، وتصحبنا في الغدو والرواح، لما لنا من إيمان بتوفيق الله شديد، ووعي عظيم ألف بين القلوب، وجمع على الحق الكلمة، وانسجام كبير جعل من الشعب جند العرش المكين، ومن العرش خادم الشعب الأمين، ولا شك في أن ما تبدونه في كل مناسبة من مظاهر التعلق والولاء للعرش يزيدنا عزما وقوة على أن نسير بكم في طريق المجد الذي تنشدون، والرخاء الذي تؤملون، لا يصدنا عنها صاد بعون الله.

فلنشكر الحق سبحانه وتعالى على ما أولى من النعم، ودرأ من النقم، ولنعتصم بحبله المتين، ولنسر في طريقه المستقيم، ولنعمل بجد وإخلاص واتحاد لخير البلاد وسعادتها، ينجز الله لنا ما ما وعد به الصالحين، (إنه لا يخلف الميعاد). 

 

      الرئيسية

أطلق هذا الموقع  سنة 2006، آخر تحديث  سنة:2015  جميع الحقوق محفوظة لصاحب الموقع